الشيخ محمد هادي معرفة
458
تلخيص التمهيد
اللَّه ، هو ربّ كلّ شيء . هكذا يتحوّل الماء من أصلٍ مالحٍ أجاج إلى مقطّرٍ عذبٍ فرات ، في جهاز تقطر كهذا الجهاز العظيم في جوّ السماء . وبعد ، فهل هناك ما يحول دون هذا التحوّل في الماء ؟ فينزل من السماء اجاجاً لا يستساغ شربه ولا يطيب طعمه ؟ أجاب العلماء : نعم ، إنّ في الجوّ من العوامل ما يمكنها الحؤول دون هذا التحوّل والانقلاب ، لولا رحمته تعالى بالعباد ، وقد جعل حواجز دون هذا الحؤول . جاء في كتاب « سنن اللَّه الكونية » للعلّامة محمّد أحمد الغمراوي « 1 » : إنّ عذوبة الماء الذي يسقيهم اللَّه إيّاه من السحاب هي بمحض رحمته تعالى . إنّ الماء طبعاً عذب بطبيعته ، وماء المطر معروف أنّه أنقى المياه ، لكن طبيعة تكوّنه من السحاب تعرضه لأن ينقلب اجاجاً لا ينتفع به الإنسان . وذلك لأنّ الهواء خليط من عناصر عدّة تختلف نسبة وجودها مع البعض ، وأهمّ تلك العناصر هو النتروجين ( الآزوت ) ، ونسبة وجوده في الهواء تعادل ( 21 / 78 ) بالمائة . ثمّ الأوكسجين ، ونسبة وجوده ( 96 / 20 ) . والارجون ( 79 % ) وثاني اوكسيد الكاربون ( 4 % ) . وعناصر الهواء موجودة فيه بصورة اختلاط ميكانيكي ، وليست ممزوجة امتزاجاً كيماوياً . ومعنى ذلك أنّها لا تتفاعل مع بعضها ، وأنّ كلًاّ منها محتفظ بكيانه مستقلًاّ كأن لا وجود للعناصر الأخرى . وفي هذا من الحكمة البالغة والنعمة السابغة ما لا يكاد يخفى . . . إذ لولا ذلك لاكتسب الهواء مميّزات وخواصّاً كيماوية أخرى تختلف عن مميّزاته الحالية ، فلم تكن تصلح للحياة بشكلها المعروف ، وتنوّعاتها التي نشاهدها على سطح الكرة .
--> ( 1 ) . نقلًا عن كتاب بصائر جغرافية : ص 220 .